محمد جمال الدين القاسمي
8
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
فأنزل اللّه تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ . قال ابن عباس : هي المناسك . كان المشركون يحجون ويهدون . فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم . فنهاهم اللّه عن ذلك . وعن ابن عباس أيضا : لا تحلوا شعائر اللّه : هي أن تصيد وأنت محرم . ويقال : شعائر اللّه ، شرائع دينه التي حدها لعباده . وإحلالها الإخلال بها . وظاهر أن عموم اللفظ يشمل الجميع . وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ المراد به الجنس . فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم . وهي أربعة : ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب . أي لا تحلوها بالقتال فيها . وقد كانت العرب تحرم القتال فيها في الجاهلية . فلما جاء الإسلام لم ينقض هذا الحكم . بل أكده . كذا في ( لباب التأويل ) . قال ابن كثير : يعني بقوله : وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ ، تحريمه والاعتراف بتعظيمه ، وترك ما نهى اللّه عن تعاطيه فيه ، من الابتداء بالقتال . كما قال تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ ، قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ [ البقرة : 217 ] . وقال تعالى إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً [ التوبة : 36 ] . وفي صحيح البخاريّ « 1 » عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال ، في حجة الوداع : « إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض . السنة اثنا عشر شهرا . منها أربعة حرم . . . » الحديث ، وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت . كما هو مذهب طائفة من السلف . وقال عليّ بن أبي طلحة ، عن ابن عباس رضي اللّه عنه ، في قوله تعالى وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ : يعني لا تستحلوا القتال فيه . وكذا قال مقاتل وعبد الكريم بن مالك الجزريّ . واختاره ابن جرير أيضا . وذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ . وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم . واحتجوا بقوله تعالى : فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] . والمراد أشهر التسيير الأربعة . قالوا : فلم يستثن شهرا حراما من غيره . انتهى . وفي كتاب ( الناسخ والمنسوخ ) لابن حزم : إن الآية نسخت بآية السيف . ونقل بعض الزيدية في ( تفسيره ) عن الحسن أنه
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 9 - سورة التوبة ، 8 - باب قوله إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ، حديث 59 ونصه : عن أبي بكرة عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض . السنة اثنا عشر شهرا . منها أربعة حرم . ثلاث متواليات : ذو القعدة وذو الحجة والمحرم . ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » .